مشاركة فلسطينيين/ات في فعاليات الفخر في تل أبيب تطبيع للاستعمار

لطالما كان اشتراك فلسطينيين/ات في فعاليات “شهر الفخر” في تل أبيب ومدن أخرى مصدراً لجدل حاد بين نشطاء ضد استغلال “حقوق وظهور المثليين” كآلية للدعاية الصهيونية تعرض إسرائيل نفسها من خلالها حامية للمثليين/ات من جهة، وآخرين ممن يدافعون عن اشتراكهم هذا على أنه دعم “للنضال من أجل حقوق المثليين/ات” من جهة أخرى، متجاهلين كون مشاركتهم/ن هذه تسهم في تطبيع وتلميع العلاقة الاستعمارية القائمة.

في السنتين الأخيرتين نلحظ ازدياداً في اشتراك نشطاء وفنانين/ات فلسطينيين/ات في هذه الفعاليات، ليتحول النقاش من مشاركة أفراد إلى تمثيل رسمي يهلل له البعض على أنه إنجاز لدعم النشاط ضد القمع الجنسي والجندري. هذا “التمثيل”، وبالرغم من النوايا الحسنة، ما هو الا اختيار شخصي يبدّي اعتبارات شخصية آنية وضيقة على المصلحة العامة، سواء في النضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني بشكل كلّيّ أو من أجل حقوق المثليين/ات والمقموعين/ات جنسيا وجندريا بشكل خاص.

إن مشاركة فلسطينيي أراضي العام 1948 في أي نشاط إسرائيلي – دولي ومدعوم من الدولة أو من المؤسسات المتواطئة في نظام الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والفصل العنصري (الأبارتهايد) تشكّل ورقة توت تساهم في إخفاء الجرائم الإسرائيلية بحق شعبنا، كل شعبنا، كما تغطي على كون فعاليات الفخر هذه هي جزء من حملات “الغسيل الوردي” التي تسوّق إسرائيل على أنها جنة للمثليين، بدلا من صورتها الحقيقية وهي كونها دولة اضطهاد وعنصرية.

في الأسبوع الأخير، وبعد نجاح حملة المقاطعة ضد فعاليات الفخر في تل أبيب والتي تقودها مؤسسات مثلية فلسطينية بالشراكة مع الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل لإقناععدد كبير من الفنانين/ات الدوليين/ات بمقاطعة المهرجان، تم الإعلان عن مشاركة الناشطة سميرة سرايا (اقرأ بيان اصوات في هذا الشأن)، والمخرجة ميسلون حمود (مخرجة فيلم “بر بحر”) في لجنة تحكيم مهرجان السينما المثلية في تل أبيب، ومشاركة المغنية لينا مخول في عرض غنائي تقدّمه على المنصة المركزية لمسيرة الفخر في يوم 9 يونيو.

لا يمكننا اعتبار هذه المشاركات أمرًا عشوائيًّا أو أن نتقبّل الأهداف المعلنة لهؤلاء الناشطات والفنانات على أنها “دعم للنضال المثلي الفلسطيني”. لطالما تم استعمال نشطاء فلسطينيين من قبل منظمات إسرائيلية متورطة في الاحتلال و”الغسيل الوردي” ضمن الأوراق الرابحة ضد حملات المقاطعة والتطبيع، وضد أي خطاب فلسطيني مثلي يُعلَن ضد استغلال “حقوق المثليين”. على سبيل المثال، قام مدير مهرجان السينما المثلية بالاستشهاد باسمَيّ سميرة سرايا وميسلون حمود في الصحافة لكي يدعم ادعاءه بأن لا علاقة لمهرجانه بحملات الغسيل الوردي. ولن نستغرب أن تقوم بلدية تل أبيب -ومعها منظّمو مسيرة الفخر- لاحقاً باستخدام اسم لينا مخول في محاولة يائسة لتضليل الأنظار عن حقيقة أن مسيرة الفخر الإسرائيلية والفعاليات الملازمة لها هي جزء من ماكينة الدعاية والبروباغاندا الصهيونية.

إن الدعم العلني لموضوع الحريات والتعددية الجنسية والجندرية من قبل أي فلسطيني هو أمر في غاية الأهمية، وهناك أطر وأنشطة فلسطينية مختلفة يمكن من خلالها المساهمة وتقديم هذا الدعم. لكن من المهم أن نتذكّر بأن المنظمات والناشطين من مثليات ومثليين ومتحولات ومتحولين وحلفائهم في فلسطين يرون في محاربة سياسات وحملات “الغسيل الوردي” جزءاً أساسيًّا لا يتجزأ من نضالنا التحرري، الوطني والاجتماعي، كون هذه السياسات تستغل هوياتنا وتجاربنا الجنسية والجندرية لتعزيز الفكرة الزائفة أن دولة إسرائيل -وتحديدا مدينة تل-أبيب- هي المكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي يحمي المثليين والمتحولين ويمنحهم الحقوق والحريات التي لا ولن ننالها في مجتمعنا.

وفق هذا التوجه، فإن الشعوب العربية، بشكل عام، والشعب الفلسطيني، بشكل خاص، تُقدَّم في هذه الدعاية الصهيونية شعوبًا “عنيفة” في جوهرها، ولذلك فإنّ استعمارنا ليس شرعيًّا فحسب ، إنما هو “ضرورة” لمنح الحرية للمقموعين والمهمشين كالمثليين/ات والمتحولين/ات وكذلك النساء وفئات أخرى.

يقوم هذا العرض على إخفاء حقيقة كون العلاقة بين “المثلي” الفلسطيني و”المثلي” الاسرائيلي هي علاقة مستعمَر-مستعمِر لا علاقة “ضحية-منقذ”. كما إنه، وككل الدعاية التي يقدمها المستعمرون عبر التاريخ، يحث “المثليين” على الانسلاخ عن مجتمعهم، عبر تبسيط الهويات المركبة الى “مثلي” فقط، وتجاهل “الفلسطيني”، والتركيز على قمع المجتمع “الذي لا أمل في تغييره”، مع تجاهل يكاد يكون متعمدًا لمستويات القمع المختلفة، وعلاقتها ببعضها، والتي يتعرض لها اشخاص يعيشون توجهات جنسية وجندرية مختلفة في فلسطين سواء كان جنسيًّا، استعماريًّا، احتلاليًّا، اقتصاديًّا الخ. هذا المنطق الاستعماري الذي تستند عليه رواية “الغسيل الوردي” يحاول ترسيخ فكرة مفادها أنه ليس هناك أي وكالة أو قدرة “للمثليين” الفلسطينيين على التغيير، وتحاول إخفاء حقيقة وجود مؤسسات عريقة تعمل منذ أكثر من 15 عاما داخل المجتمع الفلسطيني على مناهضة القمع الجنسي والجندري في مجتمعنا.

إن مهرجان الفخر في تل أبيب، رغم أنه يظهر للوهلة الأولى كاحتفاء بالتعددية الجنسية والجندرية، ما هو إلا جزء لا يتجزأ من ماكينة الدعاية الصهيونية التي تستغل حقوق المثليين لتجميل وجه إسرائيل أمام العالم. تعمل هذه المهرجانات وبدعم من بلدية تل ابيب وحكومة إسرائيل على استقطاب فنانين، سائحين وصحفيين من أنحاء العالم تحت مسمى “حقوق المثليين” ولكنها تهدف في الحقيقة الى استخدامهم وتوظيف حضورهم كـ”سفراء” وتجنيدهم كداعمين بهدف تغيير صورتها من دولة احتلال وأبارتهايد إلى دولة منفتحة ووديّة تجاه المثليين.

من هنا فإنه لا يمكن للمشاركات الفلسطينيات في فعاليات الفخر الإسرائيلي (والتي تُنظَم هذا العام في تل أبيب خلال أسبوع الذكرى الـ 50 للنكسة وكأنها تعقد في مكان آخر لا يمت للاحتلال بصلة) الوقوف وراء الادعاء الساذج بأن اشتراكهن هو من أجل “دعم نضال المثليين الفلسطينيين”. بل إنّ مشاركتهن تنجم من وعي تامّ ، تغلّبها اعتبارات فردية ضيقة وتغلفها كمصلحة عامة في تجاهل كامل لمعايير المقاطعة ومناهضة التطبيع التي توافقت عليها فئات واسعة من الشعب الفلسطيني، ولنشاط الحراك المثلي الفلسطيني ضد “الغسيل الوردي” في العقد الأخير.

إن تحررنا الوطني والاجتماعي لا يمكن أن يأتي من بوابة الانخراط في مشاريع ومهرجانات نظام الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي بل من نضالنا المشترك والحثيث بأشكاله عبر إصرارنا على حقوق شعبنا، كل شعبنا، بهوياته المتعددة.

——————–

القوس للتعددية الجنسية والجندرية في المجتمع الفلسطيني

اللجنة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل من الداخل (BDS48)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s